الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
37
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وقد نبّه إلى هذا المعنى قوله تعالى : وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً [ الإسراء : 16 ] على قراءة تشديد ميم : دمرنا . والأظهر في نظم الآية : أنّ جَعَلْنا بمعنى خلقنا وأوجدنا ، وهو يتعدّى إلى مفعول واحد كقوله : وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ [ الأنعام : 1 ] فمفعوله : أَكابِرَ مُجْرِمِيها . وقوله : فِي كُلِّ قَرْيَةٍ ظرف لغو متعلّق ب جَعَلْنا وإنّما قدّم على المفعول مع أنّه دونه في التعلّق بالفعل ، لأنّ كون ذلك من شأن جميع القرى هو الأهمّ في هذا الخبر ، ليعلم أهل مكّة أنّ حالهم جرى على سنن أهل القرى المرسل إليها . وفي قوله : أَكابِرَ مُجْرِمِيها إيجاز لأنّه أغنى عن أن يقول جعلنا مجرمين وأكابر لهم وأن أولياء الشياطين أكابر مجرمي أهل مكة ، وقوله : لِيَمْكُرُوا متعلّق ب جَعَلْنا أي ليحصل المكر ، وفيه على هذا الاحتمال تنبيه على أنّ مكرهم ليس بعظيم الشأن . ويحتمل أن يكون جَعَلْنا بمعنى صيّرنا فيتعدّى إلى مفعولين هما : أَكابِرَ مُجْرِمِيها على أنّ مُجْرِمِيها المفعول الأوّل ، و أَكابِرَ مفعول ثان ، أي جعلنا مجرميها أكابر ، وقدم المفعول الثّاني للاهتمام به لغرابة شأنه ، لأنّ مصير المجرمين أكابر وسادة أمر عجيب ، إذ ليسوا بأهل للسؤدد ، كما قال طفيل الغنوي : لا يصلح النّاس فوضى لا سراة لهم * ولا سراة إذا جهّالهم سادوا تهدى الأمور بأهل الرأي ما صلحت * فإن تولّت فبالأشرار تنقاد وتقديم قوله : فِي كُلِّ قَرْيَةٍ للغرض المذكور في تقديمه للاحتمال الأوّل . وفي هذا الاحتمال إيذان بغلبة الفساد عليهم ، وتفاقم ضرّه ، وإشعار بضرورة خروج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم من تلك القرية ، وإيذان باقتراب زوال سيادة المشركين إذ تولاها المجرمون لأنّ بقاءهم على الشّرك صيّرهم مجرمين بين من أسلم منهم . ولعلّ كلا الاحتمالين مراد من الكلام ليفرض السّامعون كليهما ، وهذا من ضروب إعجاز القرآن كما تقدّم عند قوله تعالى : وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [ الأنعام : 114 ] . واللّام في لِيَمْكُرُوا لام التّعليل ، فإنّ من جملة مراد اللّه تعالى من وضع نظام وجود الصّالح والفاسد ، أن يعمل الصّالح للصلاح ، وأن يعمل الفاسد للفساد ، والمكر من جملة الفساد ، ولام التّعليل لا تقتضي الحصر ، فللّه تعالى في إيجاد أمثالهم حكم جمّة ،